سهيلة عبد الباعث الترجمان

304

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

نزلت منزلة الأعلام . . . وعلى الحقيقة فكلها نعوته ، وأعظم ما أخذنا نحن منه علمنا به الذي يحيله الدليل ، وهو قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 1 » وقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم " من عرف نفسه فقد عرف ربه " « 2 » فأخذنا عنه وأخذ عنا . . . " « 3 » بل ويذهب ابن عربي إلى أبعد من ذلك في تأكيده للوحدة القائمة في الوجود بين وجهي الحقيقة الوجودية التي لا انفصام فيها لتلازم وجهيها فشبه الوجود بالعروة الوثقى في إحاطتها الكلية التامة حيث يتمثل فيها شطري الوجود حقه وخلقه ، ذلك أن عالم الظواهر ليس إلا مجلّى أو مظهر للواحد الحق ولا ظهور للحق إلا بظهور مجاليه ومظاهره . فقال : " العروة الوثقى أنت وهو من حيث قطراها ، أنت القطر الواحد وهو القطر الآخر ، فالوجود منقسم بينك وبينه لأنه مقسوم بين رب وعبد ، فالقديم الرب والحادث العبد ، والوجود أمر جامع لنا . . . فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها ، فاستمسك بها ، فلا تفرده دونك ولا تشفعه بك ، بل أنت أنت وهو هو " « 4 » . ويعمد ابن عربي في مذهبه إلى التلميح والتلويح جريا على عادة الصوفية دون التصريح بما ينطوي عليه مذهبه ، كما يستخدم طريقة الرمز والإشارة لستر علومه عن غير أهلها ، فهو يرى أن ظهور الموجودات دلالة واضحة على ظهور الموجد لها ، فالحق عين ما ظهر ، والموجودات عين الحق ، فيكتمل الوجود بالتقاء طرفيه الحقي والخلقي وبدونها لا يكتمل ، ذلك أن الكنزية الحقيقة لا تظهر إلا بظهور الخلق لتعرف ، ولهذا فهو يرمز في دائرة الوجود بالنقطة والمحيط إذ هما طرفا الحقيقة الوجودية الواحدة فقط ، يقول : " فأوجد من كل خزانة عينا قائمة . . . فلما أوجد ما ذكرناه عمد إليك فأوجدك كاملا لالتقاء طرفي الدائرة ، فظهرت في وجودك وإن كنت آخر بصورة الأول ، فانحصر العالم بينك وبينه ، فلم تتميز عنه ولم يتميز عنك في الحكم ، وظهرت فيك صور العالم كله التي أخرجها من تلك الخزائن . . . فما التقى طرف الدائرة حتى

--> ( 1 ) سورة الشورى ، الآية : 11 ك . ( 2 ) الحديث : سبق تخريجه . ( 3 ) ابن عربي الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص . ص 711 - 712 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 568 .